أحمد بن محمود السيواسي
178
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
يُمِدَّكُمْ ) أي يعينكم ( رَبُّكُمْ ) من الإمداد وهو الإعانة وما كان للزيادة من المد ، يقال مده مدا ( بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ) [ 124 ] بصيغة المفعول مخففا ومشددا « 1 » للمبالغة ، أي حال كونهم نازلين من السماء باذنه تعالى ، قاله لهم قبل نزولهم تسكينا لقلوبهم ، فأنزلهم اللّه عليهم يوم بدر للنصر « 2 » ووعد لهم ليوم أحد « 3 » بخمسة آلاف إن يمتثلوا أمر نبيهم عليه السّلام ، فلما عصوا وتركوا أمر رسول اللّه رجعوا عنهم ، فلذلك قال ( بَلى ) أي يكفيكم الإمداد بهم ( إِنْ تَصْبِرُوا ) مع نبيكم للمشركين ( وَتَتَّقُوا ) مخالفة أمر نبيكم ( وَيَأْتُوكُمْ ) أي إن يجئكم المشركون ( مِنْ فَوْرِهِمْ هذا ) أي من غضبهم الذي غضبوه لبدر ، وأصل الفور الغليان والاضطراب ( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ ) أي يعينكم ( بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) [ 125 ] بكسر الواو ، أي معلمين خيولهم بالصوف الأبيض ، وبفتح الواو « 4 » ، أي سومهم غيرهم أو سوموا « 5 » نفوسهم بعمامة صفراء وثياب بيض ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر : « تسوموا فان الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم » « 6 » ، وقال أيضا : « نزلت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر « 7 » أو بيض قد أرسلوها بين أحتافهم » « 8 » ، ثم قال ( وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ) أي ما جعل الوعد أو « 9 » الإمداد إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون وتغلبون ( وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ) أي ولتسكن بالإمداد قلوبكم ( وَمَا النَّصْرُ ) لكم على عدوكم ( إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ ) أي المنيع بالانتقام لمن جحده ( الْحَكِيمِ ) [ 126 ] أي يفعل ما يشاء بالحكمة فلا تجزعوا عن كثرة « 10 » عدوكم وقلة عددكم ، قيل : لم يقاتل « 11 » الملائكة بل أنزلوا للبشارة ، إذ ليس للمؤمنين من ذلك فضيلة وإنما هي بقتالهم المشركين وهزمهم إياهم ، ولو كانوا نازلين للإعانة ليكفي ملك واحد كما فعل بقوم لوط عليه السّلام . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 127 ] لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ( 127 ) قوله ( لِيَقْطَعَ طَرَفاً ) متعلق بقوله « لقد نصركم اللّه ببدر » ، أي ليهلك اللّه جماعة بالاستئصال ( مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بمحمد والقرآن ( أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) أي يهزمهم ويقنطهم ، فقتل منهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون ، ف « أو » للتفصيل ، ويجوز أن يكون بمعنى الواو ، أي يقتلهم ويخزيهم ( فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ) [ 127 ] أي غير ظافرين بمرادهم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 128 ] لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 ) قوله ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) هو رفع بأنه « 12 » اسم « ليس » ، و « لك » خبره ، و « من الأمر » في محل النصب على الحال من اسم « ليس » ، أي ليس أمر العباد مفوضا إليك من التغلب والانهزام ، بل الأمر كله للّه ، إن عليك إلا البلاغ ، نزل حين شج وجهه عليه السّلام يوم أحد وكسرت رباعيته وأراد أن يدعو عليهم بفعلهم القبيح وباللعنة وعلى أصحابه بانهزامهم من المشركين ، فكف عن ذلك لعلمه تعالى فيهم أنهم سيتوبون « 13 » وأن المشركين سيؤمن كثير منهم كعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد وغيرهم من الصحابة والتابعين « 14 » ، وقيل : نزل حين دعا على الذين قتلوا سبعين رجلا من أصحابه ببئر معونة أربعين صباحا في
--> ( 1 ) « منزلين » : قرأ الشامي بفتح النون وتشديد الزاي ، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي . البدور الزاهرة ، 69 . ( 2 ) للنصر ، ب م : للنصرة ، س . ( 3 ) ليوم أحد ، ب م : يوم أحد ، س . ( 4 ) « مسومين » : قرأ المكي والبصريان وعاصم بكسر الواو ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 70 . ( 5 ) سوموا ، م : - ب س . ( 6 ) انظر البغوي ، 1 / 544 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 7 ) صفر ، ب م : صفراء ، س . ( 8 ) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 9 ) أو ، ب م : و ، س . ( 10 ) عن كثرة ، ب م : بكثرة ، س . ( 11 ) لم يقاتل ، س م : لم تقاتل ، ب . ( 12 ) بأنه ، ب م : - س . ( 13 ) سيتوبون ، ب س : سيؤمنون ، م ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 297 . ( 14 ) قد أخذه عن السمرقندي ، 1 / 297 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 103 .